لماذا الأيمان بأن ما فات لم يكن لنا صعبًا؟

تبدأ القصة بإيمانٍ كامل لا تشوبه شائبة، بخططٍ مرتبة، وأفكارٍ متدفقة وكأنها تولد في كل لحظة تفكر فيها بما رغبت به ، وآمالٍ مستعدة تقف عند الأبواب تنتظر أن يُفتح لها، لا أن تستأذن منك حتى تأذن لها بالدخول. وكأنك في عالمٍ لا متناهٍ من العوم…
وبغتة يسحبك التيار إلى أرضٍ يابسة تصطدم بها قسوة لا تحمل إيمانك، خططك، أفكارك، إنما تحمل جسدك المُنهك من بعثرة جيوشٍ فارغة، لا تملك إلا أصواتها
تخيّل هذا الكم من الإدراك المباغت الذي يصيبك،و يجعلك تشعر بالفراغ رغم فهمك وتعلّمك الكثيف تخيّل كيف تكون فجيعة
-لم يكن لك-
ثم يبدأ الفصل الثاني من القصة..
يبدأ الإنكار في التمسك، وتبدأ الخيبة في مشاركتك حتى أنفاسك، ويبدأ الإصرار بالظهور ويُصرّ بأن الحياة جميعها تكمن هنا
وتبدأ الآمال بالوقوف أمامك واحدةً تلو الأخرى، تحاسب، وتلوم، وتحرصك ألّا تستسلم رغم عبث التيار.
ويبدأ التأنيب يتردد عليك، ويخبرك كم كنت غبيًا، ومتسرعًا، وخائفًا، ويائسًا أحيانًا لانك لم تحاول ان تخرج من هذه الأرض اليابسه و تنهض من جديد بأمل زائف ..
وتبدأ أنت بالتدرّع بالصمت، وتجلد ذاتك نهارًا وليلاً، وتحقر طريقة نشأتك، وكيف بدأت عليه بيئتك، وعاداتك، واختياراتك… وهكذا تدور في هذه الدائرة،حتى تتورم الأقدام وتفقد أجزاء من نفسك ،وفي لحظة ضعف تسقط.
ثم يبدأ الفصل الثالث من القصة..
تخور القوى أمام هذه الأعداء التي واجهت بها نفسك، وأنت متدرّع بصمتٍ وجلدٍ دائم ، وحينها تفكر ولا تفكر بالذهاب إلا إلى الله.
وهنا تُنتزع الدروع، وتختفي الأعداء خلسة وكم هي ضعيفة لكنك كنت أضعف منها ، وتصبح خاليًا من كل شيء إلا من الله وانهمار الدموع، وكأنك تشكو نفسك أمامه؛ تشكو حزنًا وإرهاقًا أصاب قلبك وشتته


وتبدأ تسأل : ماذا أفعل؟
فتجد أن يديك ترتفعان، ولسانك تنحل عقدة.
وتسأل: أين أذهب؟

فتجد أنك تطيل السجود، فتسكن روحك، وتجف دموعك، ويهدأ عقلك.


وفي لحظة هادئة تتذكر معنى الركن السادس من أركان الإيمان: ألا وهو -الإيمان بالقدر خيره وشره- وتعلم أن ذلك قُدّر عليك قبل أن تستشعر نور تلك الشمس، وعتمة ذلك الليل، وبرودة وحرارة هذه الأرض.
وتقف عند فكرة أن الوصول إلى هذا الحد يحمل حكمةً خفية، مهما أطلت التفكير، وحاولت التحايل على عقلك بأن هنا الحكمة بالتأكيد ، وبحثت مراراً..
تستمر بأنك لا تفهم حتى تستسلم الى معنى الرضا، لأن خالقك قد شاء وقدر.
وتعي بأن التوكل والرضا أهم من النيل، وأن الأقلام قد رُفعت، وجفّت الصحف، وأنه ليس بمقدورك، أيها الإنسان تغيير شيء، إلا أن تتسلّح وتحتمي بالدعاء، :وتذكر نفسك بجوهر النجاة والعبادة بقوله تعالى
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ)
وضع ذلك نصب عينيك ، بأن رفع سقف توقعاتك وآمالك بطريقة غير معقولة تفوق قدرتك على التحمل والتعايش، لن يضعف إلا قلبك، ويضيّق عليك معنى الحياة الحقيقي، الذي يكمن في كلمةٍ بسيطة اسمها :
الإيمان

اللقاءات تُحمِّلُ دواخلنا..

بينما كنتُ جالسةً على مكتبي، بين بعثرة أوراقي، رأيتُ ورقةً ممزقة تختبئ في دفترٍ عشوائي. قمتُ بسحبها وبدأتُ أقرأ التاريخ: اليوم. الكلمات التي تم شطبها، وكأني أُنكر ما وصلتني إليه من إدراك، والكلمات التي كُتِبت بكل وضوح، وكأنها تبحث عن حرية الخروج. حدّثتُ نفسي بصوتٍ عالٍ وقلت: هناك لقاءاتٌ تُنضج القلب بكل عطف، وهناك لقاءاتٌ تكسره بكل جفاء.

تُعلّمك كيف تضمّ أجزاء قلبك الضائعة التي فرّقتها الذكريات البائسة، والخذلانات المتكررة، والحرمانات المميتة، والغيابات المعاودة للزيارة بكل قصصك، وكأن البقاء بجانبك أصبح ذنبًا.

هناك لقاءات تشعرك أنها وُجدت لتحمي قلبك،

وهناك لقاءات تشعرك أنها وُجدت لتحطيم قلبك،

وكأنك تحمل مكانًا يتّسع لذلك، رغم القسوة التي تستشعرها بكل جسدك، مكانًا بوجهك يقول: (هناك متسع).

هناك لقاءات تجعلك تشعّ أملًا، وهناك ما يجعلك تذبل يأسًا… المعادلة ليست في من تفتح له باب قلبك،

إنما فيما سوف يقدّم له؟

وهل هو قادرٌ أن يتقبّل وسوف يحيا بما يُقدَّم له؟

لا بدّ علينا أن نعي جيدًا أن القلوب والأرواح أكثر أهمية من الوجوه… لأن هكذا تُحمى القلوب وتبقى حيّة.

الالتقاء بالآخر لا يحدث محض صدفة، لكل لقاءٍ أثر، ولكل لقاءٍ حاجة، حتى لو لم نعلم أو أنكرنا ذلك، ولكل لقاءٍ نهاية، حتى لو تشبثنا وحاولنا أن نبقى.

علينا أن نفهم قبل النهاية، حينها قد نقبل المضي بطريق الرحيل، سيكون معك لا عليك. أعلم جيدًا أن النجاة ليست بالفهم وحسب، إنما بأن تتقبل ما فهمته،

وتتقبل إلى ماذا سوف يقودك، ومن سوف تكون بحضرته حال قبولك، وحال حنينك، لأن ذلك جزء من طبيعة كينونة الإنسان.

لم أكن أعي معنى اللقاءات حقًا، إلا حينما بقيتُ صامتةً لعدة أيام من فراق شخصٍ عزيز. كانت الأحداث معقدة رغم سهولة مرورها، والأبواب مقفلة رغم أنها موصدة، والأيدي بعيدة رغم قربها،

والأصوات حاضرة رغم غيابها، والأرواح صامتة رغم اعتلاء الأحاديث.

أثقلتني غزارة الذكريات وامتلاء عقلي بالماذا، وكيف، وهل.

يصبح عقلك مكانًا للأسئلة بلا أجوبة رغم وضوح ما نشعر به…

ورقة تلو ورقة، دمعة تلو دمعة، ولا زلت لا أفهم.

لأنني لم أخرج من الصورة وأنظر من بعيد، وكأن شريط كل ما حدث يمر أمامي. نظرتُ بدون أي شعور يجعلني باقيةً بالألم، باقيةً بالماذا، باقيةً بربما لو كنتُ أو لم أكن، كما أيقنتُ بأن سوف تبقى أسئلة بلا أجوبة، ليس لعدم فهمك وعجزك، إنما للإيمان أن ليس عليك أن تفهم كل شيء. من المقدّر أن نمضي هكذا… لأننا لسنا جزءًا من حل كل شيء على هذه الأرض.

نظرتُ وسقطتُ وأنا جالسة، مما فهمتُ أن اللقاء مؤقت حتى لو طالت المدة، أن اللقاء كان لترميمي بطريقة خفية، أنه كان لجعلي أنظر إلى ما كنت أفرّ هاربةً من رؤيته، أنه ليجعلني أؤمن أن للخير معنى وحسنة، وأن للشر معنى وخطيئة.

وأن للحب وجودًا بقلبك الخائف المُحكم الإغلاق،

وجودٌ بذلك القلب الذي لم يتلقَّ ويتعلّم معنى الحب،

والقدرة على إعطائه، والتغريد به، والبذل منه.

وأن الجراح التي تم تسكيتها وهمًا لا زالت تنزف من الداخل، حتى لو كان الخارج براقًا ومرمّمًا ولا توجد أي آثار، وذلك لم يكن هروبًا، إنما كان محاولة، لكن الطريقة كانت خاطئة، لأن ذلك ما كنت تستطيعه.

وأنني أحمل ذكرى من ماضٍ بعيد شكّل جزءًا مني، ومن هذا الخوف تحديدًا، كالخوف من أن أُرى كما أنا وأُحب كيفما كنت.

اللقاء كان يقول: انظري هناك، هناك بداخلك كل القصة.

هناك حتى لو كان مظلمًا،

ويحتمي بسلاسل من يأس مستعصٍ،

ورفض تام، وخوف ضعيف يرتجف من لمحة ضوء.

هناك حتى لو كنت وحيدًا ، وكل شيء يدور حولك ويتحدث: أنا الأول، وأنا الأحق بالانتباه والرعاية والمواجهة، أنا أكثر من تألم وانتظر وقاتل بعنف..

هناك حتى لو مضت السنين، وتجرعتِ مرّ الخسارة، وانتصر الندم، وبقيت لا تحمل شيئًا إلا أنت.

هناك حتى لو لم تفوز إلا بذكرى طفولة حنونة،

هناك حتى لو ضعفت وسقطت واختبأت وأضعت نفسك، وجهلت وجهك وأمنياتك وسعادتك وأحزانك وعائلتك وأصدقاءك،

هناك حتى لو أرهقتك غربة الخلو والاختلاف، وخوف عدم الانتماء…

لأن كل القصة بداخلك.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ